وعظٌ وحكمة
اخبار
وعظٌ وحكمة
اضيف بتاريخ : 16/01/2012
New Page 1
الحسن البصري يعظ إخوانه

 

إن الدنيا دار عمل، مَن صحبها بالنقص لها والزَّهادة فيها سَعِد بها ونفعتْه صحبتها، ومَن صحبها على الرغبة فيها والمحبة لها شَقى بها وأجْحَف بحظه من الله عز وجل، ثم أسلمْته إلى ما لا صبر له عليه ولا طاقة له به من عذاب الله.
فأمرها صغير، ومتاعها قليل، والفناء عليها مكتوب، والله تعالى وَلِي ميراثها، وأهلها محَّولون عنها إلى منازل لا تبلى ولا يغِّيرها طَول الثَّوَاء.
فاحذروا ولا قوة إلا بالله ذلك الموطن، وأكثروا ذكر ذلك المقلب، واقطع يا ابن آدم من الدنيا أكثر هِّمك ، أو لَتَقْطَعنَّ حبالها بك فينقطع ذكر ما خُلقت له من نفسك ويزيغ عن الحق قلبك، وتميل إلى الدنيا فترْديك، وتلك منازل سوء بَيِّن ضرّها منقطع نفعها، مفضية والله بأهلها إلى ندامة طويلة وعذاب شديد.
فلا تكونن يا ابن آدم مغترَّاً ، ولا تأمن ما لم يأتك الأمان منه، فإن الهوْل الأعظم ومفظِّعات الأمور أمامك لم تخلص منها حتى الآن، ولابد من ذلك المسلك وحضور تلك الأمور ، إمَّا يعافيك من شرها وينجيك من أهوالها ، وإما الهلكة.
وهي منازل شديدة مُخَوَّفة محذورة مفزعة للقلوب ، فلذلك فاعْدُدْ ، ومن شرها فاهرب ، ولا يلهيَّنك المتاع القليل الفاني ، ولا تَربَّص بنفسك فهي سريعة الانتقاص من عمرك.
فبادر أجَلَك ، ولا تقل: غداً غداً فإنك لا تدري متى إلى الله تصير.
واعلموا أن الناس أصبحوا جادِّين في زينة الدنيا يَضْربون في كل غمرة ، وكلُُّ مُعْجب بما هو فيه ، راضٍ به حريص على أن يزداد منه ، فما لم يكن من ذلك لله عز وجل وفي طاعته فقد خسر أهله وضاع سعيُه.
وكلُُّ مُواَفِ الله ولما عمل ، ثم يكون القضاء من الله في عباده على أحد أمرين: فَمَقْضِيُُّ له رحمته وثوابه فيا لها نعمة وكرامة ، ومَقْضِيُُ له سخطه وعقوبته فيا لها حسرة وندامة.
ولكن حق على من جاءه البيان من الله بأن هذا أمره ، وهو واقع أن يصغر في عْينه ما هو عند الله صغير ، وأن يعظم في نفسه ما هو عند الله عظيم.
فاتق الله يا ابن آدم وليكن سعيك في دنياك لآخرتك فإنه ليس لك من دنياك شئ إلا ما صدَّرْتَ أمامك ، فلا تدخرنَّ عن نفسك مالك ، ولا تتبع نفسك ما قد علمت أنك تاركه خلفك ، ولكن تزّود لبُعْد الشُّقَّة ، واعْدُد العدَّة أيام حياتك وطول مقامك قبل أن ينزل بك قضاء الله ما هو نازل فيحول دون الذي تريد ، فإذا أنت يا ابن آدم قد ندمت حيث لا يغني الندم.
ارفض الدنيا ولتَسْخُ بها نفسك وَدَعْ منها الفضل فإنك إذا فعلت ذلك أصبتَ أربح الأثمان من نعيم لا يزول، ونجْوت من عذاب شديد ليس لأهله راحة ولا فترة.
فاكدْح لما خُلقت له قبل أن تفرق بك الأمور فيشق عليك اجتماعها ، صاحب الدنيا بجسدك ، وفارقها بقلبك ، ولينفْعَك ما قد رأيت مما قد سلف بين يديك من العمر وحال بين أَهل الدنيا وبين ما هم فيه ، فإنه عن قليل فناؤه ، ومخوّف وباله ، وليزْدك إعجاب أهلها بها زهدا فيها وحذرا منها ، فإن الصالحين كذلك كانوا.
ويْحك يا ابن آدم ما يضّرك الذي أصابك من شدائد الدنيا إذا خلص لك خير الآخرة ، ألهاكم التكاثر حتى زرتم المقابر ، هذا فَضَحَ القوم ، ألهاكم التكاثر عن الجنة دعوة الله وكرامته ، والله لقد صحبنا أقواما كانوا يقولون ليس لنا في الدنيا حاجة ، ليس لها خُلقنا ، فطلبوا الجنة بغدوّهم ورواحهم وسهرهم ، نعم والله حتى أهرقوا فيها دماءهم فأفلحوا ونجوا ، هنيئا لهم.
يا ابن آدم إن لأهل التقوى علامات يعرفون بها: صدق الحديث ، والوفاء بالعهد ، وصلة الرحم ، ورحمة الضعفاء ، وقلة الفخر والخيلاء ، وبذل المعروف ، وقلة المباهاة للناس ، وحسن الخلق ، وسعة الخلق ، مما يقرِّب إلى الله عز وجل. يا ابن آدم إنك ناظر إلى عملك يوزن خيره وشره ، فلا تحقرنَّ من الخير شيئاً وإن هو صغر فإنك إذا رأيته سرّك مكانه ، ولا تحقرن من الشر شيئا فإنك إذا رأيته ساءك مكانه ، فرحم الله رجلا كسب طيِّبا وأنفق قصداً ، وقدّم فضلاً ليوم فقره وفاقته.
لو أن بالقلوب حياة ، لو أن بالقلوب صلاحاً ، لأبكْيتكم من ليلة صبيحتها يوم القيامة ، إن ليلة تمخَّض عن صبيحة يوم القيامة ما سمع الخلائق بيوم قط فيه عوْرة بادية ، ولا عين باكية ، من يوم القيامة.

اضف تعليقك
لا توجد اضافات
جميع الحقول مطلوبة والايميل يظهر للادارة فقط
(E-mail)

الرجاء كتابة الحروف التي في الصورة .

 

واقرأ ايضاً